القاضي عبد الجبار الهمذاني

425

المغني في أبواب التوحيد والعدل

وفي ذلك بعض ما ذكروه من قولهم إنهم إذا عصوا وخالفوا ما التزموه ، استحقوا العقاب . وإذا كلف ما نقول وفعلوه ، لم يستحقوا ذلك . وإنما نقول إن الوفاء بالنذر واجب سمعا لأن اللّه تعالى أوجب ذلك . فعادت الحال فيه إلى أنه من تكليفه ، وإن كان ما يأتيه الناذر هو السبب في وجوب ذلك . ولذلك اختلف حكم النذر ، فيه ما يجب وفيه ما يسقط . ولو كان للإنسان أن يلزم نفسه الأفعال عقلا ، لما اختلفت هذه الأفعال ، وكان لكل واحد أن يوجب على نفسه ما شاء ، وكان له أن يسقط عنها ما شاء . وبطلان ذلك يبين فساد ما سألوا عنه . على أنا نعلم من حال ما كلفناه / عقلا وشرعا أنا إنما نستحق المدح به والثواب إذا فعلناه على وجه مخصوص يقتضي فيه المشقة ؛ لأنه لو فعله الإنسان لا لوجوبه في عقله لم يستحق ثوابا ، ولا بخلافه عقابا . فكيف يصح أن يقال إن العقوبة تستحق على خلاف هذه الطريقة ؟ لأن قولهم يؤدى إلى أن من لم يفعل ما يشتهيه يستحق العقاب . والطريقة التي « 1 » ذكرناها لا يتأتى فيها « 2 » . فإن قالوا : فأنتم تستحقون « 3 » الثواب بما لا يشق من الأفعال كالمعارف وغيرها ؟ قيل لهم « 4 » : إنا لا نجوز استحقاقه إلا فيما يشق أو يجرى مجرى الشاق لأمر يرجع إلى سببه أو وقوعه على وجه مخصوص ، أو مقارنة معنى له ، ولذلك قلنا إن من قصر نفسه على ما يملك من مأكول ومنكوح وعدل عما هو أشهى إليه إنه يستحق الثواب عليه ، لأنه قد قارنه ما يقتضي فيه المشقة . وذلك يسقط سائر الأسئلة في هذا الباب .

--> ( 1 ) في الأصل : الّذي . ( 2 ) في الأصل : فيه . ( 3 ) في الأصل : تستحقوا . ( 4 ) في الأصل : له .